ابن عجيبة

527

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقولون إنه مرائي ، فقال : الآن طاب العمل . قال بشر الحافي : اكتفى - واللّه - بعلم اللّه . فلم يحب أن يدخل مع علم اللّه غيره ، وقال أيضا : سكون النفس لقبول المدح لها أشد عليها من المعاصي . وقال أحمد بن أبي الحوارى رضى اللّه عنه : من أحب أن يعرف بشئ من الخير ، أو يذكر به ، فقد أشرك مع اللّه في عبادته ؛ لأن من عمل على المحبة لا يحب أن يرى عمله غير محبوبه . وقال الشيخ أبو الحسن رضى اللّه عنه . لا تنشر علمك ، ليصدقك الناس ، وانشر علمك ليصدقك اللّه . وإن كان لام العلة موجودا ، فعلّة تكون بينك وبين اللّه من حيث أمرك ، خير لك من علّة تكون بينك وبين الناس ، من حيث نهاك . ولعلّة تردك إلى اللّه خير لك من علة تقطعك عن اللّه . ه . المراد منه . ثم تمم قصة نوح عليه السّلام ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 36 إلى 39 ] وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 37 ) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( 38 ) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 39 ) يقول الحق جل جلاله : وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ بعد هذا إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ قبل ، وكان هذا الوحي بعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى اللّه تعالى . فكان الرجل منهم يأتيه بابنه ، ويقول : يا بنى لا تصدق هذا الشيخ ، فهكذا عهد إلىّ أبى وجدى . فلما نزل الوحي وأيس من إيمانهم دعا عليهم ، وقال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً « 1 » . قال له تعالى : فَلا تَبْتَئِسْ : تحزن وتغتم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ من التكذيب والإيذاء ، أقنطه أولا من إيمانهم ، ونهاه أن يغتم لأجلهم . ثم أمره بصنع السفينة ، فقال : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ؛ بحفظنا ورعايتنا ، أو بمرأى منا ومسمع غير محتاج إلى آلة حفظ وحرس ، وَوَحْيِنا إليك ، كيف تصنعها ، روى أنه لما جهل صنعها أوحى اللّه إليه : أن اصنعها على مثال جؤجؤ الطائر . وروى أيضا : أنها كانت مربعة الشكل ، طويلة في السماء ، ضيقة الأعلى ، وأن المراد منها إنما كان الحفظ ، لا سرعة المشي . والأول أرجح . أعنى : على صورة ظهر الطائر . قال في الأساس : عملت سفينة نوح عليه السّلام

--> ( 1 ) من الآية 26 من سورة نوح .